الشيخ محمد النهاوندي
586
نفحات الرحمن في تفسير القرآن
في إخبار القرآن بالغيب ووهم ودفع وعلى أيّ تقدير ، فهذه الآية دالّة على إخبار اللّه بغلبة المسلمين على اليهود وسائر المشركين ، قبل وقوعها ، عن جزم ويقين ، مع وجود الأمارات العاديّة - من ضعف المسلمين ، وشوكة الكفّار - على خلافه . ثمّ صدّق اللّه الوعد بقتل بني قريظة ، وإجلاء بني النّضير ، وفتح خيبر ، ووضع الجزية على من بقي منهم ، وخذلان المشركين ومغلوبيّتهم وطردهم وتشريدهم مع كثرة شوكتهم . فلا شبهة أنّ هذا الإخبار - كإخبار عيسى عليه السّلام بما يأكلون وما يدّخرون - من آيات النّبوّة ، وصدق النبيّ في دعواه . إن قيل : لعلّ وقوع ما أخبر به كان من الاتّفاقيّات ، وكم من فئة قليلة غلبت فئة كثيرة . قلنا : من المتفّق عليه بين العقلاء أنّ محمّدا صلّى اللّه عليه وآله كان أعقل أهل عصره ، لو لم يكن أعقل عقلاء العالم ، ولا ريب أنّ العاقل إذا أدّعى أمرا كالنّبوّة ، وكان ظهور كذبه في خبر مبطلا لدعواه ، يمتنع أن يخبر عن الجزم واليقين بأمر يكون في نفسه احتمال خلافه ، وقد أخبر النبيّ صلّى اللّه عليه وآله بغلبته على الكفّار عن جزم ويقين ، مع تراكم الأمارات العاديّة على خلافها ، وعدم إمكان الجزم إلّا بالوحي . فإن قيل : لعلّ الجزم به حصل له بطريق الجفر والحساب ، أو علم النّجوم ، أو الكهانة . قلنا : مضافا إلى أنّ هذا الاعتراض وارد على إخبار عيسى عليه السّلام - وغيره من الأنبياء - بالمغيّبات ، فما كان دافعا لهم في إخبارهم كان دافعا له في إخباره صلّى اللّه عليه وآله ، فإنّه لا شبهة أنّ تحصيل هذه العلوم محتاج في العادة إلى التّعلّم من أهلها ، والحضور عندهم ، ومن المسلّم أنّه صلّى اللّه عليه وآله كان امّيّا لم يحضر عند عالم ، ولم يتعلّم من أحد ، ولم يراجع كتابا ، فلا بدّ من اليقين بكون إخباره بالمغيّبات بالوحي . [ سورة آلعمران ( 3 ) : آية 13 ] قَدْ كانَ لَكُمْ آيَةٌ فِي فِئَتَيْنِ الْتَقَتا فِئَةٌ تُقاتِلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَأُخْرى كافِرَةٌ يَرَوْنَهُمْ مِثْلَيْهِمْ رَأْيَ الْعَيْنِ وَاللَّهُ يُؤَيِّدُ بِنَصْرِهِ مَنْ يَشاءُ إِنَّ فِي ذلِكَ لَعِبْرَةً لِأُولِي الْأَبْصارِ ( 13 ) ثمّ استشهد سبحانه على صدق هذا الإخبار الذي كان معدودا من المحالات ، وتحقّق وقوعه فيما بعد بتأييده تعالى ونصره ، لا بكثرة العدد والعدّة ، بقضيّة بدر التي أشار إليها إجمالا بقوله : قَدْ كانَ لَكُمْ أيّها اليهود في وقعة بدر آيَةٌ عظيمة ، ودلالة واضحة على نبوّة محمّد صلّى اللّه عليه وآله وصدق الإخبار بغلبة المسلمين ، وهي ما وقع فِي شأن فِئَتَيْنِ وفرقتين متبارزتين ، حين الْتَقَتا وتراءتا في